Advertisements
الذكاء الاصطناعي ومستقبل القانون

الذكاء الاصطناعي ومستقبل القانون

مبدئيا إعلامنا بحلول الذكاء الاصطناعي محل الذكاء الطبيعي في إدارة شؤون المجتمع واستلام المهام بدلا عن الإفراد؛ نتيجة التوفير في الوقت والجهد والتسديد في تحقيق أهداف التكنولوجيا  مسايرةً للتطور والتعامل السلس في انجاز المهام الموكلة إليه، يستدعي منا أعطاء فكرة عنه وعن قدرته في إدارة العمليات المسندة إليه، ولتبسيط ما هو الذكاء الاصطناعي، وبالرغم من ورود أكثر من معنى ووصف وتعريف له إلا أنه يمكننا مرد ذلك إلى أمرين الأول المعنى الخاص والمتعلق بأصل الاختصاص وهو علم وهندسة صنع الآلات الذكية والمتفرع من تطوير آلة الحاسبة بعد تطوير البرامج الرقمية وإدخال بيانات خارجية إليها تمكنها من الإجابة عن الأسئلة الخارجية والقدرة على الفهم والاستنتاج. والمعنى الأخر ذات المدلول العام الذي يشير إلى قدرة نظام معين على تحليل بيانات خارجية بهدف استنباط قواعد معرفية جديدة وإمكانية تحويل هذه القواعد واستخدامها لتحقيق أهداف ومهام جديدة. وكلمة –الذكاء- هنا لها معنى مقصود باعتبارها ملكة النظام وخاصيته وقدرته على محاكاة العقل البشري والقيام بفهم وإتيان نفس الأعمال التي يقوم بها البشر الطبيعيين؛ فالآلة يمكن لها أن تكتب وتفكر وتتحدث وتجيب عن الأسئلة بالإضافة إلى الإرشاد والتوجيه وفق أصل المنطق العام للأشياء، وقد تنبه أول الأمر لإمكانية الوصول إلى هذا الذكاء هو نجاح اختبار الحاسب الآلي لأول مرة في حل مسائل الجبر والرياضيات واثبات النظريات المنطقية وتحدث اللغة الانكليزية ونجاحها أيضا في تكلم اللغة العربية وتمكنها من قواعدها ونحوها وترجمتها من لغة إلى أخرى،  ثم بدأ التعويل عليه في النجاح وتخصيص الأموال لتطوير النظم الخبيرة بهدف الوصول إلى تكوين خارق يقوم على ملكة ذكاء اصطناعي مواز للذكاء الطبيعي الذي نقصد به عقل الإنسان بالرغم من عدم التوصل إلى معرفة الحقيقة الكاملة للدماغ البشري في تحقيق أهدافه اليومية. وإستراتيجية الذكاء المدعوم للآلة مشتق من ذكاء الإنسان وأن لم يكن عن طريق عمل العقل الطبيعي  الذي يعمل دون معرفة الإنسان وحاجته بل كان عن طريق فكرة أنشاء وتطوير شبكات عصبية صناعية يعتقد في حينها أنها تشابه في عملها أسلوب الدماغ البشري من خلال قدرتها على الإحساس والطلب وقدرتها على التعلم والتجريب والتفكير و تطوير نفسها ذاتيا من دون تدخل الإنسان في ذلك. ويبين المتخصصين في مجال الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات بأنه على الرغم من نجاح التجربة وتحقيق الأهداف الموكلة إليها إلا انه يبقى دائما بحاجة إلى مراجعة شاملة مستمرة لتقييم المصطلح نتيجة عدم وجود تعريف محدد للذكاء، وان الفكرة كانت عن طريق الخيال العلمي وأفلام السينما التي تقوم على التعامل المباشر مع الخصم ومحاربة الأعداء مباشرة  أثناء ارتكابهم أذى أو شر داخل المدينة كما قدمته أفلام هوليود بصورها المتعددة وصفاتها المختلفة فكان لذلك دور في تطوير الذكاء الاصطناعي بالإضافة إلى الدور التاريخي للأساطير القديمة والنقاشات الفلسفية والعلمية ومتابعة التطور وصولا إلى أتمتة الحواسيب ودمج الخوارزميات التي مكنت من اتساع مجالات الذكاء الاصطناعي في جميع العمليات الإدارية والصناعية والتجارية، وحيث ثبت تطبيق هذا النموذج من الذكاء في نواحي متعددة من أهمها الاستخدامات العسكرية والأمنية والطبية وخاصة لفاقدي البصر الذي استطاع الذكاء الاصطناعي وصف شعور وإحساس لما يدور حولهم في الدنيا من أضواء وأماكن وما يحيط بها  من مناظر طبيعية مشابه لما يجري في أفلام الخيال السينمائي، وأيضا مجال الطاقة والسيارات ذاتية القيادة والرادارات الجوية وبرامج توفير الطاقة وأنظمة تحديد المواقع،  والنجاح الفائق في التعامل مع مستويات التعليم حسب قدرة الطلبة على الاستيعاب بدلا من برامج المساواة في التعليم، بالإضافة إلى تبني شركة  مايكروسوفت إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي التي  تخدم قضايا البيئة والتنوع البيولوجي وتعديل المناخ لنجاحه الباهر في تلك القضايا، فضلا عما حققه في قضايا التلوث في جانب النقل والنجاح في تطبيق برامج فك الازدحامات المرورية وتوزيع الوقت بين الشوارع المكتظة بالسكان والمؤسسات الحكومية وبين غيرها الخالية من ذلك، كما نجح في مجال الأعلام والتليفزيون وأفلام الخيال العلمي ومجال الألعاب الألكترونية المجسمة، ومجالات الأجهزة الطبية والبصرية والنجاح الأكبر الذي حققته وكالة ناسا عن طريق استخدام تلك الأجهزة في دراسات الفضاء ومدى اكتشاف وجود حياة خارج كوكب الأرض ونجحت في الوصول إلى كوكب المريخ واكتشاف وجود الأوكسجين على سطحه. وما يكمل تلك النجاحات هو نجاحه الباهر والمميز في مجال قطاع الأعمال والمصارف والشركات التجارية والتعامل مع البيانات بحرفية والإجابة عن أسئلة العملاء وإظهار البيانات العامة وقت الحاجة والحفاظ على البيانات الموصى بعدم عرضها  وقراءة الحسابات المصرفية والتنبوء بارتفاع وانخفاض أسعار التداول في البورصة والأسهم والنجاح في تطوير روبوتات للرد الآلي لتقديم خدمات فورية للعملاء وتطوير مجالات التجارة الالكترونية والتسوق عبر الانترنت. ولعل النجاح الأهم الذي ثبت للعالم أهمية الذكاء الاصطناعي والذي يعد برأينا بداية الانتقال والتمهيد لعصر الرقمنة الجديدة هو التعامل مع جائحة كورونا الذي ضرب مدينة ووهان الصينية، وبدا جليا لدى الجميع ما نشرت عنه الصين عبر وسائلها في القضاء على الوباء وكيف تعاملت مع الأزمة والتي بينت في تفاصيلها عن الطريقة التكنولوجيا في فصل الناس في التعامل مع بعضهم وحلول أجهزة الربوتات في التعامل مع المرضى وفحصهم طبيا وتقديم الرعاية الصحية لهم وتوزيع الطعام والمستلزمات الأساسية لهم، وأيضا ما حققته الطائرات المسيرة باليد التي تشابه في حجمها حجم طائرات العاب الأطفال في توزيع الكمامات والقفازات وتوجيهها في توعية الناس بالالتزام ببرامج الوقاية من الفيروس عن طريق مكبرات الصوت المزودة بها تلك الطائرات. وطائرات مراقبة خاصة لفرض الالتزام بالحظر وباتت الشوارع خالية من عناصر أمنية أو مواطنين وكانت تلك العملية تدار بتخطيط وحرفية من دون وقوع أي خطأ يذكر وهو ما يدل إلى بداية الاستغناء عن الطاقة البشرية في مجال العمل واقتصاره على وضع  الاستراتيجيات العامة لرسم فلسفة وأهداف العمل إما التنفيذ والمتابعة  وتحقيق الأهداف فهي مرهونة بأجهزة الذكاء الاصطناعي وما تحققه من اقتصار في الوقت والجهد وزيادة الإنتاجية وتعظيم الموارد والعمل بصورة مستمرة على مدار الساعة. وبالرغم من أن توسع الآلات والأجهزة  الدقيقة المصنعة سيكون على حساب الإنسان وتقليل فرص العمل إلا أنه سيمهد لنشوء فرص عمل نوعية وتقنية ترتقي مع مستوى العصر ومجالات التعليم ولا يمكن قتل الروتين والوظائف الورقية والسلسلة الإدارية العميقة بدون استخدام التكنولوجيا الصناعية بديلاً عنه كونها ستكون في تلك المجالات أكثر دقة من الإنسان وأكثر منه صبرا في المتابعة والتذكر والتنفيذ. ما تقدم كان عن مجالات نجاح الذكاء الاصطناعي في الميادين التي تم ذكرها وسيتم مستقبلا ذكر أكثر عندما تعمم التجربة على جميع البلدان والتي سترغم الأخرى وتذعن لأجل اللحاق بركب التطورات وتطبيق اتجاهات التكنولوجيا على سائر الأصعدة الأخرى. إما عن تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل القانون فلنا هنا أن نتوقف لنستشرف المستقبل فنقول أن الغرض من القانون داخل المجتمع هو حماية الحقوق والتنظيم بينها وبين الواجبات وحيث لا يتحقق ذلك في ظل غياب الهدف من التشريع لانعدام تحقيق الأهداف وهذا ما يجري في العراق الآن من وجود كثرة عشوائية  في التشريعات القانونية والإدارية لا هدف لها يقابله في ذلك خروقات عديدة وعدم أطاعة القانون والالتزام بتطبيقه ومرد ذلك يعود لأمرين الأول: عدم وجود غاية أساسية من التشريع المتمثلة بالإرباك القانوني والثاني:  يعود إلى الشخص القائم بتطبيق القانون ولعل الجميع يعلم بأن كلما يتزايد عدد القوانين يتزايد معها الفساد ويتزايد أكثر إذا كانت أسباب تطبيقه متروكة للسلطة التقديرية للقائم علية كون صاحب العلاقة مرغم على قضاء حاجته عندما يتم مقايضته على فعلها ويمكن القول أن الخلاص الحقيقي والإصلاح القانوني إذا أراد أن يتحقق للقانون ومؤسسات الدولة لا يكون بغير الذكاء الاصطناعي . ولابد من التذكير أن هناك سابقة في المجال القانوني كان الجميع محل تخوف منها للفترة حتى أواخر التسعينات من القرن الماضي بالنسبة للدول العربية والآن مجتمعين على تأييدها وتطبيقها والأخذ بها وهي التحكيم الالكتروني كبديل عن القضاء الوطني،  لحل المنازعات؛ حيث وفر للمتقاضين من السهولة واليسر والضمانات والاختصار بالوقت والإجراءات وجلب الاستثمارات ما لم توفره الإجراءات القضائية الوطنية وأصبح شرطا أساسيا يدرج في جميع العقود على أحالة النزاع  في حال نشوئه على لجان التحكيم للنظر فيه، وعلى نفس الأهداف من التحقيق يكون الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمة القانونية والتشريعية والوظيفية وخصوصا في العراق وبالرغم من وجود قوانين عديدة تجرم الفساد والاعتداء على المال العام وهيئات مستقلة ومتخصصة للمتابعة والملاحقة وأخرى للرقابة على التنفيذ وإلى اليوم يتعذر عليهم تشخيص الفاسدين وسارقين المال العام، حيث سيعمل ذلك بصورة مجردة وعمياء نحو تطبيق القانون من دون محسوبية وتحزبية نتيجة توحيد القانون وأجراءته، كما يخلق ميزة أخرى في مجال التشريع حيث ستكون الحاجة وفقا لاحتياج المجتمع له وفق أسس التطور وليس كما يحدث اليوم من فوضى تشريعية غير مدروسة، وباعتقادنا أن التعامل مع عصر الذكاء الاصطناعي سيلغي قوانين عديدة لن تكون لها حاجة كونه سيقتصر القانون مع التعاملات الذكية وسيضمن الدستور بفقرات تؤسس لهذا العمل ومن ثم لا حاجة لوجود تعليمات تسهيل تنفيذ القوانين في صورتها اليوم بل ستكون عبارة عن خطوات للتعامل مع ذلك الذكاء وستكون وظيفة البرلمانات مجرد رقابية ولا حاجة لوظيفة التشريع كون التعديل سيكون ذاتيا من قبل الآلة كلما دعت الحاجة لذلك وغير مرهون بحاجات سياسية وحزبية قاصرة على فئة معينة والأمر سيمتد ويعم جميع مجالات العمل السياسية أهمها ضبط الانتخابات ومنع التزوير وحساب الأصوات وضبط إيرادات الدولة ووضع الموازنات العامة والرقابة على عمليات السرقة والتهريب وإدارة الحدود كما معمول به اليوم في الولايات المتحدة والمطبق من قبل شركات المال والأعمال والإدارة داخل الشركات العالمية العظمى من مجربي ومؤيدي الذكاء الاصطناعي.أخيرا قد لا يكون هناك أصلاح حقيقي في ضبط منظومة التشريع، والقانون والتخلص من سوء التطبيق في العراق، والقضاء على الفساد المستشري، والشعور بأهمية الوقت والتخلص من الترهل الوظيفي، وتطبيق برنامج استثماري بديل للبرنامج الطفيلي المطبق حاليا في العراق؛ إلا بوجود الذكاء الاصطناعي ليكون معه مستقبل جديد للقانون.